عبد السلام مقبل المجيدي
159
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
وتريث مع إسراع يعرف عند سماع الشعر ، كما لا يخلو من نوع محاولة إلصاق بآخر البيت لتتناغم أوزانها وكلماتها ، وذاك حالة بين السرعة المفرطة المشبّهة بقراءة نشرات الأخبار ، أو إلقاء خطب المنابر المهيّجة للسامع ، وبين الإبطاء الممل . . . فإذا كان هذا الإلقاء للشعر مذموما ، وهو بهذه المنزلة غير المتعجلة الإلقاء نسبيا من حيث واقعه ، ظهر أن ترتيل القرآن الكريم يستلزم تأنيا أكثر ، وتؤدة أعظم ، ومحاولة إظهار للمبنى أجمل ، تتكفل بإبداء للمعنى أكمل ، لا على حسابه كما هو معلوم ، من غير مبالاة بإدراك نهايات الآيات ، وخواتيم السور . . . وهذا الضبط لتلك التؤدة هو ما تسمعه من مهرة القراء في عصرنا كما في كل عصر ، وهو ما عليه غالب حال المسلمين حتى الأميين منهم الذين لا يعرفون إلا بعض آيات يرددونها ، فإنه يظهر تغير طريقة قراءتهم ، ونبرات صوتهم إن كانت للقرآن الكريم « 1 » . وليضبط هذا التأني من الجهة المقابلة : إذ إن الاهتمام باللفظ على حساب المعنى ، أو الغلو في التؤدة ، أو الإفراط في التغني بالقرآن مدا ، وابتداء ، ووقفا . . . يضاد غاية الترتيل ، ويصبح اللفظ غاية بعد أن كان وسيلة ، ويكون القرآن كتاب للاستمتاع الموسيقى المجرد فحسب ، وهو كتاب الهداية . . . فلا يرد على ما قرّر آنفا ما انحدر إليه بعض متزعمي الإقراء ، ومتصدريه في هذا الباب . فإن اعترض بأن الرابط بين ما يرومه هذا المبحث من بيان متعلقات تعليم جبريل عليه السلام للنبي صلى اللّه عليه وسلم من حيث اللفظ وبين موضوع الترتيل غير واضح ، ولا نص صريح في علاقة جبريل عليه السلام بالترتيل ؟ . فالجواب : كان الأمر بالترتيل مبكرا على سنن نزول الوحي ، فقد كان جملة ما نزل من القرآن حين نزول أوائل سورة المزمل سورتين أو ثلاث على أصح الأقوال « 2 » ،
--> ( 1 ) وهذا من أعظم أدلة التواتر ، وهو ظاهرة ليست بغريبة على المناهج المعرفية لدى المسلمين تدل على مقدار الحفظ الإلهي للكتاب الكريم . ( 2 ) انظر : الإتقان 1 / 20 ، مرجع سابق .